أبرز المحطات التشريعية في تاريخ الدولة التونسية الحديثة، إذ لم تقتصر أهميتها على تنظيم العلاقات الأسرية، بل تجاوزت ذلك لتشكل ركيزة أساسية للمشروع الإصلاحي. فقد جاءت المجلة في سياق تاريخي وسياسي تمثل في إرساء دولة القانون و ذلك باعتماد مقاربة تشريعية غير مسبوقة في محيطها العربي، قوامها تنظيم الأسرة على أسس قانونية تراعي مبدأ المساواة وتحد من السلطة المطلقة داخلها، بما يضمن حماية الحقوق وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار الأسري.
وقد اعتمدت هذه المقاربة الإصلاحية على جملة من النصوص التي شكلت قطيعة مع المفاهيم التقليدية، من أبرزها منع تعدد الزوجات، وإقرار الطلاق القضائي، وتنظيم الزواج وآثاره وفق ضوابط قانونية دقيقة، فضلاً عن إرساء ضمانات قانونية هدفت إلى تعزيز مكانة المرأة داخل الأسرة والمجتمع. وقد ساهمت هذه الإصلاحات في تنظيم العلاقات الأسرية وجعلت من مجلة الأحوال الشخصية مرجعًا تأسيسيًا للعديد من التشريعات اللاحقة.
و انخرطت تونس تدريجيًا في المنظومة الدولية لحقوق الإنسان، وصادقت على عدد من الاتفاقيات الدولية ذات الصلة، كما شهدت على مستوى الدستور تطورات متلاحقة عززت مكانة الحقوق والحريات، وكرست مبدأ المساواة وعدم التمييز، وأكدت التزام الدولة بحماية الحقوق المكتسبة والعمل على تطويرها.
وفي هذا السياق، أصبح تقييم المنظومة التشريعية غير منحصر في مجلة الأحوال الشخصية باعتبارها جزء من السياسة التشريعية ، بل تجاوزها ليشمل نصوص أخرى على غرار مجلة الجنسية، ومختلف القوانين ذات الصلة بحقوق الإنسان، وصولاً إلى القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة، الذي شكل منعطفًا تشريعيًا جديدًا من خلال اعتماده مقاربة شاملة تقوم على الوقاية والحماية والتتبع والزجر، وتوسيع مفهوم العنف ليشمل مختلف أشكاله الجسدية والجنسية و النفسية والسياسية.
وقد أدى هذا التطور إلى انتقال السياسة التشريعية التونسية من مجرد تنظيم الروابط الأسرية إلى بناء منظومة حقوقية متكاملة يكون محورها حماية الإنسان داخل الأسرة، باعتبارها الفضاء الأول لممارسة الحقوق والحريات. ولم يعد الأمر مقتصرًا على ضبط الحقوق والواجبات المتبادلة بين أفراد الأسرة، بل أصبح يتمثل كذلك في توفير الضمانات القانونية والقضائية الفعالة لتحقق المساواة الفعلية، ولتتصدى لمختلف أشكال العنف والتمييز، بما ينسجم مع المبادئ الدستورية والالتزامات الدولية للدولة التونسية.
ومن هذا المنطلق، فان استعراض الإصلاحات التي جاءت بها مجلة الأحوال الشخصية أو التنقيحات التي أدخلت عليها، أصبح غير كاف و يتوجب دراسة المنظومة القانونية برمتها، وتحليل مدى التكامل بين مختلف النصوص التشريعية، ومدى قدرة الآليات القضائية والمؤسساتية على تحويل الحماية القانونية من مجرد حماية شكلية إلى حماية فعلية قادرة على ضمان النفاذ الحقيقي إلى الحقوق، وإحداث أثر ملموس في الواقع الاجتماعي والقضائي.
وتأسيسًا عليه تتمثل الإشكالية الرئيسية المطروحة في التساؤل حول مدى نجاح السياسة التشريعية التونسية، منذ صدور مجلة الأحوال الشخصية سنة 1956، في تطوير المقاربة الإصلاحية التي اعتمدتها الدولة الوطنية، بارتباطها بالقانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 و ذلك من خلال تقييم المسار الإصلاحي، بشكل مترابط يستند إلى تكامل النصوص القانونية، وإلى تطوير آليات الحماية القضائية والمؤسساتية بما يضمن حماية فعلية للنساء داخل الأسرة والمجتمع.
وللإجابة عن هذه الإشكالية، يعتمد هذا المقال المنهج التحليلي، من خلال دراسة النصوص القانونية المنظمة للأحوال الشخصية، وربطها بالتطورات الدستورية والتشريعية اللاحقة، مع الاستئناس بالاجتهاد القضائي والاتفاقيات الدولية ذات الصلة، بهدف الوقوف على ملامح السياسة التشريعية التونسية في هذا المجال، واستجلاء مدى تطورها من مقاربة إصلاحية لتنظيم الأسرة إلى مقاربة حقوقية تجعل من حماية الكرامة الإنسانية ومناهضة جميع أشكال العنف إحدى الركائز الأساسية للمنظومة القانونية.
السياق التاريخي والسياسي لصدور مجلة الأحوال الشخصية
لا يمكن استيعاب السياسة التشريعية التي انتهجها المشرع التونسي في مجال الأحوال الشخصية دون استحضار السياق التاريخي والسياسي الذي أحاط بصدور مجلة الأحوال الشخصية بتاريخ 13 أوت 1956. فقد جاءت هذه المجلة في مرحلة مفصلية من تاريخ تونس، تزامنت مع بروز الدولة الوطنية إثر الاستقلال، اذ برزت الحاجة إلى بناء منظومة قانونية حديثة تعكس خيارات الدولة الجديدة وتؤسس لمشروع مجتمعي يقوم على سيادة القانون وإعادة تنظيم العلاقات الاجتماعية وفق رؤية إصلاحية شاملة
.وتبرز خصوصية التجربة التونسية في كونها لم تكتف بإدخال تعديلات جزئية على الأحكام المنظمة للأسرة، وإنما اعتمدت إصلاحات جوهرية غير مسبوقة في محيطها العربي والإسلامي،.
وتزداد أهمية مجلة الأحوال الشخصية بالنظر إلى تاريخ صدورها، إذ سبقت دستور الجمهورية التونسية لسنة 1959، وهو ما يكشف أن المشروع الإصلاحي للدولة الوطنية انطلق من إصلاح الأسرة قبل استكمال البناء الدستوري للدولة.اذ مثلت المجلة وثيقة تأسيسية لمشروع مجتمعي ، استهدف توزيع الأدوار داخل الأسرة بما ينسجم مع متطلبات المرحلة .
لم تكن مجلة الأحوال الشخصية نصاً جامداً، وإنما خضعت لعدد من التنقيحات بما يعكس استمرار المشروع الإصلاحي وعدم اقتصاره على مرحلة تاريخية معينة. وقد مثلت تنقيحات سنة 1993 محطة بارزة في هذا المسار، إذ عززت عدداً من الضمانات القانونية المتعلقة بالعلاقات الأسرية، وأكدت توجه المشرع نحو مزيد من تكريس المساواة داخل الأسرة.
.ومن جهة أخرى، لا يمكن دراسة تطور مجلة الأحوال الشخصية بمعزل عن التطور العام للمنظومة القانونية التونسية. فقد ، ظهرت نصوص تشريعية مكملة، مثل مجلة حماية الطفل، ومجلة الجنسية، والقوانين المنظمة للحماية الاجتماعية، وصولًا إلى التشريعات المتعلقة بمناهضة العنف والتمييز.
وانضمت الدولة التونسية إلى عديد من الاتفاقيات الدولية والإقليمية ذات الصلة بحقوق المرأة والطفل والأسرة، وفي مقدمتها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، واتفاقية حقوق الطفل، إلى جانب بقية الصكوك الدولية التي تكرس مبادئ المساواة وعدم التمييز واحترام الكرامة الإنسانية.
وإلى جانب هذا البعد الدولي، شهدت المنظومة الدستورية التونسية تطورًا ملحوظًا، ساهم بدوره في إعادة توجيه السياسة التشريعية في مجال الأحوال الشخصية. فقد كرس دستور سنة 2014، ثم دستور سنة 2022، جملة من المبادئ ذات الصلة المباشرة بحماية الأسرة والمرأة، من بينها مبدأ المساواة أمام القانون، وحماية الكرامة الإنسانية، وضمان الحقوق والحريات، والتزام الدولة بحماية الحقوق المكتسبة للمرأة والعمل على تطويرها، إضافة إلى التزامها باتخاذ التدابير الكفيلة بالقضاء على جميع أشكال العنف.
وتكتسي هذه المبادئ الدستورية أهمية خاصة، لأنها نصت على التزام الدولة بمكاسب حقوق النساء و نبذ العنف بجميع اشكاله بما يضمن تحقيق التوازن بين استقرار الأسرة من جهة، وصيانة الحقوق الأساسية لجميع أفرادها من جهة أخرى.
ولم يعد تقييم مجلة الأحوال الشخصية ممكنًا بمعزل عن هذا التطور الدستوري والدولي، و يشترط هذا الأمر تجاوز القراءة التقليدية للنصوص القانونية، التي تقوم على التطبيق الحرفي لأحكام مجلة الأحوال الشخصية، نحو قراءة اشمل تراعي المبادئ الدستورية والمعايير الدولية عند تفسير النصوص القانونية. فالقاضي، بوصفه الضامن لحسن تطبيق القانون، مطالبًا بإعمال التأويل الذي يحقق الانسجام بين مختلف مصادر القاعدة القانونية، ويكفل حماية الحقوق الأساسية بما يتماشى مع التطور الذي عرفته السياسة التشريعية التونسية.
القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017: من تنظيم الأسرة إلى تكريس المقاربة الحقوقية والحمائية
يمثل صدور القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 المؤرخ في 11 أوت 2017 والمتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة بعد مرور أكثر من ستين سنة من صدور مجلة الأحوال الشخصية محطة مفصلية في تطور السياسة التشريعية التونسية في مجال حماية المرأة والأسرة. ولا تكمن أهمية هذا القانون في كونه أضاف نصًا تشريعيًا جديدًا إلى المنظومة القانونية، وإنما في كونه أحدث تحولًا نوعيًا في الفلسفة التي يقوم عليها التدخل التشريعي للدولة، إذ انتقل من مقاربة ترتكز أساسًا على تنظيم العلاقات الأسرية إلى مقاربة حقوقية تجعل حماية الكرامة الإنسانية والوقاية من العنف ومكافحة التمييز من بين الأهداف الجوهرية للتشريع.
فإذا كانت مجلة الأحوال الشخصية قد نصت أساسًا على تنظيم الروابط القانونية بين أفراد الأسرة، وتحديد الحقوق والواجبات المترتبة عنها، فإن القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 اتجه إلى معالجة واقع اجتماعي وقانوني أكثر تعقيدًا، يتمثل في ظاهرة العنف المسلط على النساء بمختلف أشكاله، باعتبارها ظاهرة تمس حقوق الإنسان وتمثل انتهاكًا لمبدأ المساواة وللحرمة الجسدية والكرامة الإنسانية.
اعتمد القانون على أربعة محاور أساسية، هي الوقاية، والحماية، والتتبع، والزجر. ويكشف هذا التوجه عن إرادة المشرع التونسي في عملية الانتقال من معالجة نتائج العنف إلى اعتماد سياسة وقائية تستهدف الحد من أسبابه، مع توفير آليات مؤسساتية وقضائية تكفل حماية الضحايا وضمان حقوقهن.
وتتمثل إحدى أهم ميزات التي جاء بها القانون في اعتماده مفهومًا موسعًا للعنف، إذ أصبح يشمل كل فعل أو امتناع أو تهديد من شأنه أن يلحق بالمرأة ضررًا جسديًا أو نفسيًا أو جنسيًا أو اقتصاديًا ، سواء كان في المجال العام أو داخل الأسرة.كما هو وارد بالفصل الثاني من القانون المذكور ويعكس هذا التوسع إدراك المجتمع المدني الذي ساهم بقسط كبير في كشف ظاهرة العنف ضد النساء و العمل على الحد منها و تجريم الاعتداءات التي لا يقتصر على الإيذاء البدني فحسب ، وإنما تشمل جميع أشكال العنف لاسيما أنواع العنف المسكوت عنه وبذلك أصبحت الحماية القانونية تقوم على احترام السلامة الجسدية والنفسية والحرية الشخصية، باعتبارها حقوقًا أساسية لا يجوز المساس بها تحت أي مبرزأو تحت أي غطاء تقليدي يمس من كرامة النساء. فلم تعد العلاقة الزوجية تسمح بممارسة سلطة مطلقة لأحد الزوجين على الآخر، وإنما لابد إن تقوم هذه العلاقة على الاحترام المتبادل، والمساواة، وصيانة الكرامة الإنسانية.
ويترتب على ذلك قراءة جديدة لأحكام مجلة الأحوال الشخصية، تقوم على التكامل بين النصين فالقواعد المنظمة للحقوق والواجبات الزوجية لا يمكن أن تفسر بمعزل عن المبادئ التي أقرها القانون الأساسي، ولا سيما تلك المتعلقة بمنع جميع أشكال العنف، واحترام الحرمة الجسدية، و السلامة النفسية و المعنوية للقرينين .
ومن هذا المنطلق، يبرز الدور المحوري للقضاء في تحقيق الانسجام بين مختلف النصوص القانونية، إذ أصبح، القاضي مطالب بتفسير النصوص على ضوء المبادئ الدستورية والاتفاقيات الدولية المصادق عليها . وهو ما يقتضي اعتماد قراءة حقوقية تجعل حماية الإنسان داخل الأسرة أولوية و تستبعد أي تأويل تقليدي قد يؤدي إلى إفراغ النصوص من محتواها الحمائي.
ومن ثم، فإن القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 بدوره يجسد مرحلة جديدة في تطور السياسة التشريعية التونسية من خلال توسيع نطاق الحماية القانونية بما يستجيب للتحولات الدستورية والاجتماعية والدولية التي عرفتها تونس. ويؤكد ذلك أن مسار الإصلاح التشريعي في مجال الأحوال الشخصية لم يتوقف عند تنظيم الأسرة في 1956،تاريخ صدور المجلة بل يشمل مسار تشريعي متكامل و متطور .
انعكاس المقاربة الحقوقية على النزاعات الزوجية: من مفهوم الضرر إلى مفهوم العنف
يكتسي هذا التحول أهمية خاصة عند تطبيق أحكام مجلة الأحوال الشخصية المتعلقة بالطلاق للضرر. فقد اعتمد المشرع، منذ سنة 1956، مفهوم الضرر باعتباره سببًا من أسباب إنهاء العلاقة الزوجية، وأكد بالفصل 23 من المجلة على واجب كل من الزوجين في حسن المعاشرة وتجنب الإضرار بالقرين طبقًا للعرف والعادة. غير أن المجلة لم تضع تعريفًا تشريعيًا دقيقًا لمفهوم الضرر، وهو ما ترك للقضاء سلطة واسعة في تقدير مضمونه وحدوده، وأدى إلى تعدد التأويلات القضائية باختلاف الوقائع و الملابسات. وقد بين هذا الفراغ التشريعي ضرورة إعادة قراءة مفهوم الضرر على ضوء القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017، حتى لا يبقى مقتصرا على الأفعال التي تخلف أضرارًا مادية أو بدنية ظاهرة، وإنما يمتد ليشمل مختلف صور الاعتداء التي تمس كرامة الإنسان داخل الأسرة, حيث أن الإيذاء النفسي، والإذلال المستمر، والعزل الاجتماعي، والابتزاز الاقتصادي، والتهديد، والرقابة المفرطة، كلها ممارسات قد لا تترك أثرًا جسديًا مباشرًا، لكنها تمثل، ، اعتداءً على الحقوق الأساسية للضحية.
ومن هذا المنطلق، تصبح العلاقة بين مجلة الأحوال الشخصية والقانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 متكاملة فالأولى تنظم أسباب إنهاء العلاقة الزوجية وآثارها، في حين يتعرض القانون الأساسي لمقاومة العنف ضد المرأة للمفاهيم و للمعايير التي تساعد على تحديد مضمون الضرر وتقدير مدى خطورته. مما يستوجب تطبيق أحكام الطلاق للضرر باستحضار التعريف الموسع للعنف الذي اعتمده القانون الأساسي، حتى يكون هناك انسجاما في تطبيق النصوص القانونية المتكاملة. فالقاضي لم يعد يقتصر على الفصل في النزاع وفق قراءة شكلية للنصوص،أو اعتماد ما تقتضيه الواجبات الزوجية و الإخلال بها وإنما أصبح مطالبًا بتجاوز الواجبات التقليدية في العلاقات الأسرية التي تنظر إلى الأسرة باعتبارها مجالًا مغلقًا إذ إن احترام الحياة الأسرية لا يمكن أن يكون مبررًا لإهدار الحقوق الأساسية أو التسامح مع أي شكل من أشكال العنف أو الإكراه. فالأسرة، وإن كانت فضاء خاصا، فإنها تظل خاضعة لأحكام القانون.
ومن ثم، فإن هذا المجال يفرض إعادة فهم الضرر على ضوء المقاربة الحقوقية، ليصبح هذا التطور التشريعي مستوعبا لمختلف صور العنف التي تمارس داخل الأسرة، لتحقيق الانسجام بين نصين تفصلهما مدة زمنية تفوق الستين سنة.
و في هذا السياق فإننا نحتاج إلى توحيد التدخل التشريعي في مجال الأسرة، بغاية ترسيخ المساواة بين القرينين، ضمانا لاستقرار الأسرة على أساس الاحترام المتبادل، لا على أساس الخضوع أو الهيمنة أو التمييز.
العنف المعنوي و الجنسي داخل العلاقة الزوجية: بين تطور السياسة التشريعية وتحديات التطبيق القضائي
إن تعدد أشكال العنف المسلط على المرأة تكشف في الواقع عن طبيعة معقدة للعلاقات الأسرية تستوجب الدقة و المعالجة الجدية. ويعد العنف الجنسي من أكثر صور العنف تعقيدًا داخل العلاقات الأسرية، لما يثيره من إشكاليات قانونية وقضائية واجتماعية وقد اكتسب هذا الموضوع أهمية متزايدة حسب الدراسات الميدانية لتي ركزت على وجود عنف مسكوت عنه و غير معلن.
ويثير هذا التوجه إشكالية جوهرية تتعلق بمدى استيعاب القضاء لمفهوم العنف الجنسي داخل العلاقة الزوجية، ولا سيما عند النظر في دعاوى الطلاق للضرر أو النزاعات الأسرية التي تتضمن الاعتداءات المتكررة والإكراه المعنوي أو الاعتداء الجنسي. فالقانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 أرسى إطارًا مفهوميا جديدًا يقوم على حماية الضحية من جميع أشكال العنف. إلا أن تنزيل هذه المبادئ على الواقع القضائي يظل رهين تاويل النصوص و اجتهاد القضاء على ضوء فلسفة هذا القانون.
فالمجلة تؤكد على واجب حسن المعاشرة ومنع الإضرار بالقرين، ولم تتناول بصورة صريحة مفهوم العنف المسلط على النساء داخل الحياة الزوجية بمختلف أشكاله. كما لم تضع معايير قانونية دقيقة لتحديد صوره وآليات إثباته. وقد أدى هذا الفراغ إلى اختلاف المقاربات القضائية، وإلى اعتماد حلول تتأثر أحيانًا بالعقليات و بالتصورات الاجتماعية السائدة في غياب ثقافة حقوق الإنسان و التزام الدولة بحمايتها.
هذا النوع من العنف غالبًا ما يقع في نطاق الحياة الخاصة، الأمر الذي يجعل إثباته بالغ الصعوبة. كما أن العديد من الضحايا قد يحجمن عن التبليغ لأسباب اجتماعية أو نفسية أو اقتصادية، أو خشية المساس بالحياة الأسرية، وهو ما يفسر محدودية النزاعات القضائية التي تثار فيها هذه المسائل مقارنة بحجم الظاهرة كما تفيده التقارير الحقوقية و.تكشف الإحصائيات الرسمية بدورها نسب أنواع الطلاق و تؤكد على ارتفاع حالات الطلاق إنشاء بمعدل% 55 بالمائة في السنوات الأخيرة مقارنة بحالات الطلاق للضرر التي تحتل المرتبة الثالثة بعد الطلاق بالتراضي ، في حين تشير البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الأسرة و الطفولة و كبار السن عن معدلات العنف الزوجي بنسبة تتجاوز% 77 بالمائة من حالات العنف ضد المرأة . ويطرح هذا المعطى تساؤلًا مشروعًا حول ما إذا كانت بعض النساء يفضلن تقديم دعوى الطلاق إنشاء باعتبارها أكثر يسراً من الناحية الإجرائية، و تجنبًا للصعوبات المرتبطة بإثبات الضرر، وهو ما يستدعي إعادة التفكير في مدى نجاعة الآليات القانونية و المؤسساتية لضمان الحماية الحقيقية للنساء ضحايا العنف الزوجي .
ومن ثم، فإن نجاعة القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 تكمن في إحداث تحول نوعي في الممارسة القضائية، من خلال تطوير وسائل الإثبات، واعتماد مقاربة تراعي خصوصية الجرائم التي ترتكب داخل الأسرة، مع المحافظة على الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة وحقوق جميع الأطراف.
وفي هذا الإطار، يلعب القضاء دورا أساسيا في تحقيق التوازن بين احترام خصوصية الحياة الأسرية وبين حماية الحقوق الأساسية للأفراد. فالحياة الخاصة لا بد أن تبنى على الاحترام المتبادل لا على التشبذ بالتقاليد و العرف .
حيث إن نجاح السياسة التشريعية في هذا المجال يظل مرتبطًا بمدى قدرة الاجتهاد القضائي على استيعاب الفلسفة التي قام عليها القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017، وتطوير معايير قانونية واضحة للتعامل مع هذا النوع من النزاعات، بما يحقق الانسجام بين أحكام مجلة الأحوال الشخصية وأهداف المشرع في مجال حماية المرأة، ويضمن في الوقت ذاته احترام المبادئ الدستورية وضمانات المحاكمة العادلة.
تحديات الملائمة بين مجلة الأحوال الشخصية والقانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 وآفاق تطوير السياسة التشريعية
إن فعالية الحماية القانونية للنساء ضحايا العنف تتطلب التدخل القضائي في استحضار المبادئ التي جاء بها القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017. ويكشف الواقع العملي أن بعض الإشكاليات لا تزال قائمة، خاصة فيما يتعلق بتحديد مفهوم الضرر، وتقدير صور العنف غير المادي، ووسائل إثباته داخل الحياة الأسرية. ويؤدي اختلاف التقدير القضائي لهذه المسائل إلى تفاوت في تطبيق القانون، بما قد ينعكس على مستوى الحماية المقررة للمتقاضين، ويحد من تحقيق الغاية التي رسمها المشرع من إقرار المنظومة التشريعية الجديدة.
فبالرجوع إلى القرار ألتعقيبي المدني عدد 3346 الصادر بتاريخ 7 افريل 1981 أي قبل صدور القانون الأساسي لمناهضة العنف ضد المرأة اعتبرت محكمة التعقيب أن لفظ الضررّ ورد عاما بما يجعله مستوعبا للضرر الحسي و الضرر الأدبي على حد سواء و بذلك لم تعد الحماية القضائية مرتبطة فقط بما يصيب الزوجة في جسدها و إنما امتدت إلى ما يمس اعتبارها و كرامتها و مكانتها الاجتماعية يبرز من خلال هذا القرار إن الإخلال بواجب حسن المعاشرة المنصوص عليها بمجلة الأحوال الشخصية يمكن أن يتخذ صورة معنوية مستقلة دون اشتراط وجود اثر بدني ظاهر.
كما أكد القرار ألتعقيبي المدني عدد 29956 الصادر في 31 مارس 1992 ان تقدير الضرر من المسائل الواقعية التي تدخل من حيث الأصل ضمن السلطة التقديرية لقضاة الموضوع فالقاضي يستخلص قيام الضرر من ظروف الحياة الزوجية و لا تتدخل محكمة التعقيب إلا لمراقبة سلامة التكييف القانوني و كفاية التعليل
أما القرار ألتعقيبي المدني عدد 62581 الصادر بتاريخ 16 فيفري 1998 فقد ابرز ضرورة ان يكون الضرر ثابتا و محققا و على درجة من الجسامة تجعل استمرار الحياة الزوجية متعذرا
و يستخلص من هذه القرارات أن الاجتهاد القضائي التونسي السابق لصدور القانون الأساسي ضد العنف عالج مفهوم الضرر المعنوي باعتماد ثلاثة عناصر مترابطة : المساس بكرامة الزوجة أو سلامتها النفسية و بثبوت السلوك الضار بوسائل الإثبات و القرائن المقبولة و بلوغ الضرر درجة تجعل مواصلة الحياة الزوجية المشتركة مستحيلة كما منح قضاة الأصل دورا محوريا في تقدير هذه العناصر مع خضوع أحكامهم لرقابة محكمة التعقيب من حيث التعليل و التكييف القانوني
غير أن هذا التوجه القضائي أدى إلى تفاوت الأحكام بسبب غياب تعريف موحد و دقيق للضرر المعنوي و اختلاف تقدير المحاكم لجسامته فقد ينظر قاض إلى الاهانة المتكررة أو الهجر أو التحكم الاقتصادي أو العزل الاجتماعي باعتبارها ضررا جسيما بينما قد يعتبرها قاض آخر مجرد خلافات زوجية لا تكفي لإسناد المسؤولية و من ثم تبرز الحاجة إلى تطوير معايير قضائية أكثر وضوحا تراعي خصوصية النزاع الأسري و تحافظ في الوقت نفسه على الأمن القانوني و المساواة بين المتقاضين
فالاعتراف بالعنف النفسي و الاقتصادي و الجنسي و المعنوي الوارد بالقانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 يعزز التوجه القضائي و يمنح للقاضي إطارا حقوقيا أوسع لتفسير الإخلال بواجب حسن المعاشرة و الضرر الموجب للطلاق بما يضمن تطورا متميزا في المقاربة القانونية للعلاقات الأسرية
كما تطرق القانون الأساسي لمناهضة العنف إلى الجانب الوقائي و هو لا يقل أهمية عن بقية المحاور وذلك بنشر الثقافة القانونية داخل المجتمع، وتعزيز الوعي بالحقوق والواجبات الأسرية، وترسيخ قيم المساواة والاحترام المتبادل ونبذ جميع أشكال العنف.ضد المرأة داخل الأسرة و في الفضاء العام
ختاما نعتبر إن التجربة التشريعية التونسية في مجال الأحوال الشخصية في مجملها تبقى من أبرز التجارب القانونية في العالم العربي، فقد اتسمت بجرأة في الإصلاح كما تميزت باستمرارية في التطوير. و ما علينا إلا مواصلة النضال و اليقظة من اجل تغيير العقليات ومقاومة الثقافة التمييزية و التمادي في المطالبة بتكريس المساواة الفعلية من خلال تأويل قضائي منسجم مع مبادئ حقوق الإنسان و علوية القانون .
بقلم: منية العابد محامية لدى التعقيب